فخر الدين الرازي

72

شرح الفخر الرازى على الاشارات

الفلك يمينا له والجانب الغربى شمالا له تشبيها له بالانسان فان اليمين في الانسان لما كان هو الجانب الذي يظهر منه قوة الحركة وكان الجانب الشرقي من الفلك كذلك سموه يمينا ومقابله شمالا وأما قوله ثم من المحال أن يتعين وضع الجهة في خلاء أو ملاء متشابه إلى آخره فاعلم أن المقصود من هذا الفصل بيان أن الجهات التي لا تتحدد الا بالمحيط والمركز وبيانه أن يقال الجهة حد وطرف وذلك الحد يستحيل أن يحصل في خلاء أو ملاء متشابه أما أولا فلان الخلاء وكذلك الملاء المتشابه يمكن أن يفرض فيها حدود غير متناهية وأما الجهات الحقيقية فقد ذكرنا انه ليس الا الفوق والسفل وأما ثانيا فلان الحدود المفترضة في الخلاء أو الملاء المتشابهين تكون متشابهة وكلامنا في الجهات المختلفة وأما ثالثا فلان حصول تلك الحدود يكون تابعا للوهم والفرض وما كان كذلك فإنه يختلف باختلاف الفرض وكلامنا في الجهات التي لا تختلف باختلاف الفرض فإذا الخلاء والملاء المتشابهان لا يحصل فيه طرف معين الا المحدود وذلك المحدود يجب أن يكون جسما أو جسمانيا فان ما لا يكون كذلك يكون نسبته إلى كل واحد من المحدود الممكنة الحصول نسبة واحدة فليس بان يصير لأجله بعض الحدود فوقا والآخر سفلا أولى من العكس ثم ذلك الجسم اما يكون واحدا أو أكثر من واحد والأول باطل لان الجسم الواحد من حيث هو واحد لا يمكن أن يتغير نسبته الاحد واحد وهو القرب منه وأما البعد عنه فإنه لا يتحدد بحد معين فإذا الجسم الواحد لا يحدد به الا جهة واحدة وذلك باطل اما أولا فلان كل خط مستقيم بفرض فان له جهتين لما ثبت من وجوب تناهيه وأما ثانيا فلان الجهات التي في الطبع أعنى الجهات التي لا تتبدل بحسب الفرض اثنان الفوق والسفل وأما ان كان المحدد جسمين فلا يخلو اما أن يكون أحدهما محيطا بالآخر واما أن لا يكون كذلك بل يكونان متباينين فإن كان الأول كان المحيط وحده كافيا في تحديد الجانبين لأنه يتحدد لمحيطه غاية القرب منه وبمركزه غاية البعد منه سواء كان داخله أو خارجه خلاء أو ملاء فحينئذ لا يكون للجسم الموجود في داخله تأثير في التحديد وأما الثاني وهو أن يقع التحدد بجسمين متباينين أي لا يكون أحدهما محيطا بالآخر فهذا باطل لان القرب من كل واحد منهما وان كان محدودا الا أن البعد من كل واحد منهما لا يكون محدودا فلم يكن وقوع أحدهما في جانب من الآخر وعلى بعد مخصوص منه بأولى من أن يقع في جانب آخر وعلى بعد آخر الا بخاصية يختص بها ذلك الجانب واختصاص ذلك الجانب بتلك الخاصية ليس لذاته لما بينا أن الحدود المفترضة في الخلاء أو الملاء المتشابهين متساوية في الماهية ولا كذلك الجسم الذي حصل فيه والا لحصلت تلك الخاصية في جانب آخر لو حصل ذلك الجسم في ذلك الجانب الآخر وإذا كان كذلك استحال أن يكون حصول الجسم في ذلك الحيز لأجل اختصاص ذلك الحيز بتلك الخاصية فإذا حصول تلك الخاصية لذلك الجانب لأجل جسم آخر والكلام في كيفية وضع ذلك الجسم عند فرض وجوده كالكلام في الأول فثبت بما ذكرنا أن الجهات لا تتحدد الا بجسم واحد وبينا أيضا انه متى لم يكن الجسم محيطا لا يتحدد به الا جهة واحدة وهي القرب منه فإذا الجسم المحدد للجهات يجب أن يكون محيطا حتى يكون موجبا لتحديدين متقابلين وذلك هو المطلوب * المسألة الثانية * في أن الجسم المحدد للجهات لا تصح عليها الحركة المستقيمة وفيها فصل إشارة [ في بيان امتناع الحركة المستقيمة على محدد الجهات ] ( كل جسم من شأنه أن يفارق موضعه الطبيعي ويعاوده يكون موضعه الطبيعي متحدد الجهة له لا به بل له لأنه قد يفارق موضعه الطبيعي يرجع اليه وهو في الحالين ذو جهة فيجب أن يكون تحدد جهة موضعه الطبيعي بسبب جسم غيره وهو علة لما هو قبل هذا المفارق أو معه فقط